محمد الغزالي

159

فقه السيرة ( الغزالي )

بيعة العقبة الكبرى إنّ الرجال الذين اعتنقوا الإسلام عرفوا - دون شك - تاريخه القريب ، والصعاب الهائلة التي لقيها ، وحزّ في نفوسهم أن يستضعف إخوانهم في مكة ، وأن يخرج نبيّهم وهو يدعو إلى اللّه فلا يجيبه إلا اثم أو كفور ! ! . ولذلك تساءلوا - وهم خارجون من المدينة قاصدين البيت العتيق - حتى متى نترك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يطوّف ، ويطرد في جبال مكة ويخاف ؟ ! . لقد بلغ الإيمان أوجه في هذه القلوب الفتية ، وان لها أن تنفّس عن حماسها ، وأن تفكّ هذا الحصار الخانق المضروب حول الدعوة والداعية . قال جابر بن عبد اللّه : فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم ، فواعدناه شعب العقبة ، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين ، حتى توافينا ، فقلنا : يا رسول اللّه ، علام نبايعك ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، والنفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وأن تقوموا في اللّه لا تخافون لومة لائم ، وعلى أن تنصروني ، فتمنعوني إذا قدمت عليكم - مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ، ولكم الجنة » . قال : فقمنا إليه ، وأخذ بيده ( أسعد بن زرارة ) ، وهو أصغر السبعين بعدي ، فقال : رويدا يا أهل يثرب ! فإنّا لم نضرب إليه أكباد الإبل وإلا نحن نعلم أنّه رسول اللّه ، وإنّ إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة ، وقتل خياركم ، وأن تعضّكم السيوف . فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على اللّه ، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه ، فبيّنوا ذلك ، فهو أعذر لكم عند اللّه ! . فقالوا : يا أسعد ! أمط عنا يدك ، فو اللّه لا نذر هذه البيعة ، ولا نستقيلها ، فقمنا إليه رجلا رجلا فبايعناه « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد : 3 / 322 ؛ 339 ، 394 ؛ والحاكم : 2 / 624 - 625 ؛ والبيهقي في سننه الكبرى : 9 / 9 ، من طريق ابن خيثم ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال الحاكم : صحيح -